الشيخ محمد رشيد رضا

389

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الرسول لا كونه هو الدليل الذي يرونه موصلا إلى المدلول ، وقد قال تعالى لرسوله في هذه السورة ( وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) وقال في أول سورة القمر ( وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ) وأكثرهم يقول مثل هذا في كل آية كونية عن اعتقاد ، وأما قول بعضهم ان القرآن سحر يؤثر فقد كان عن تضليل وعناد . على أن اللّه تعالى قد أيد رسوله بآيات أخرى غير الآيات التي اقترحها الجاحدون المعاندون ، ازداد بها المؤمنون إيمانا ، والجاحدون عنادا وطغيانا . وقد سبق لنا بحث في هذه المسألة من قبل ، وسيجيء ما يقتضي العودة إليها بعد * * * ( 38 ) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ، ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( 39 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ ، مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ان هاتين الآيتين مؤيدتان لما قبلهما ومتممتان له ، فإنه بين في الآيات قبلهما ان الظالمين من مشركي مكة جحدوا بآيات اللّه جحود عناد لا تكذيب وضرب لهم مثل الذين كذبوا الرسل من قبل ولم يهتدوا بما أوتوا من الآيات المقترحة ولا غيرها - بعد هذا بين في هاتين الآيتين أنواعا من آياته تعالى في أنواع الحيوان وأن المكذبين بآيات اللّه لم يهتدوا بها ، بل ظلوا في ظلمات جهلهم حتى كأنهم لم يروها ولم يسمعوا بها ، وذكر الرازي في وجه النظم ومناسبة الآية الأولى لما قبلها وجهان ( الأول ) انه تعالى بين في الآية الأولى انه لو كان إنزال سائر المعجزات مصلحة لفعلها ولأظهرها الا انه لما لم يكن اظهارها مصلحة للمكلفين لا جرم ما أظهرها . وهذا الجواب انما يتم إذا ثبت انه تعالى يراعي مصالح المكلفين ويتفضل عليهم بذلك ، فبين ان الامر كذلك وقرره بأن قال ( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ )